الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
67
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
الماء ، فتراه بساقين طويلين كأنهّ ربيئة فوق مرقبه ، وهو يتأمّل ما يدب في الماء ، فإذا رأى شيئا ممّا يتقوّت به خطا خطوات رقيقة حتى يتناوله ، ولو كان قصير الساقين وكان يخطو نحو الصيد ليأخذه يصيب بطنه الماء فيثور ويذعر منه فيتفرّق عنه ، فخلق له ذانك العمودان ليدرك بهما حاجته ولا يفسد عليه ، تأمل ضروب التدبير في خلق الطائر فإنّك تجد كلّ طائر طويل الساقين طويل العنق ، وذلك ليتمكن من تناول طعمه من الأرض ، ولو كان طويل الساقين قصير العنق لما استطاع أن يتناول شيئا من الأرض ، وربما أعين مع طول العنق بطول المناقير ليزداد الأمر عليه سهولة وإمكانا ، أفلا ترى أنّك لا تفتّش شيئا من الخلقة إلّا وجدته على غاية الصواب : والحكمة ( 1 ) . « مصرّفة في زمام التّسخير » في ( توحيد المفضل ) : هذا الطائر السائح في هذا الجو يقعد على بيضه فيحضنه بعضها أسبوعا وبعضها أسبوعين وبعضها ثلاثة أسابيع حتى يخرج الفرخ من البيضة ، ثم يقبل عليه فيزقهّ الريح لتتسع حوصلته للغذاء ، فمن كلفّه أن يلقط الطعم والحبّ يستخرجه بعد أن يستقر في حوصلته ويغذو به فراخه ولأي معنى يحتمل هذه المشقة وليس بذي رويّة ولا تفكر ولا يأمل في فراخه ما يأمل الانسان في ولده من العزّ والرفد وبقاء الذّكر ، فهذا من فعله يشهد أنهّ معطوف على فراخه لعلّة لا يعرفها ولا يفكّر فيها وهي دوام النّسل وبقاؤه لطفا منه تعالى . وفيه : انظر إلى الدّجاجة كيف تهيج لحضن البيض والتفريخ ، وليس لها بيض مجتمع ولا وكر موطّى ، بل تنبعث وتنتفخ وتمتنع من الطعم حتى يجتمع لها البيض فتحضنه وتفرخ ، فما كان ذلك منها إلّا لإقامة النّسل ، ومن أخذها بإقامة النّسل ولا رويّة لها ولا تفكير لولا أنّها مجبولة على ذلك
--> ( 1 ) توحيد المفضل : 188 ، والنقل بتصرف يسير .